ابن قيم الجوزية

452

مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين

فإن قلت : فهل كان يمكن وجود تلك الحكم بدون هذه الأسباب ؟ قلت : هذا سؤال باطل . إذ هو فرض وجود الملزوم بدون لازمه . كفرض وجود الابن بدون الأب ، والحركة بدون المتحرك ، والتوبة بدون التائب . فإن قلت : فإذا كانت هذه الأسباب مرادة ، لما تفضي إليه من الحكم . فهل تكون مرضية محبوبة من هذا الوجه ، أم هي مسخوطة من جميع الوجوه ؟ قلت : هذا السؤال يورد على وجهين : أحدهما : من جهة الرب سبحانه وتعالى . وهل يكون محبا لها من جهة إفضائها إلى محبوبه ، وإن كان يبغضها لذاتها ؟ الثاني : من جهة العبد . وهو أنه هل يسوغ له الرضى بها من تلك الجهة أيضا ؟ فهذا سؤال له شأن . فاعلم أن الشر كله يرجع إلى العدم - أعني عدم الخير وأسبابه المفضية إليه - وهو من هذه الجهة شر . وأما من جهة وجوده المحض : فلا شر فيه . مثاله : أن النفوس الشريرة وجودها خير ، من حيث هي موجودة . وإنما حصل لها الشر بقطع مادة الخير عنها . فإنها خلقت في الأصل متحركة لا تسكن . فإن أعينت بالعلم وإلهام الخير تحركت . وإن تركت تحركت بطبعها إلى خلافه ، وحركتها من حيث هي حركة خير . وإنما تكون شرا بالإضافة ، لا من حيث هي حركة . والشر كله ظلم . وهو وضع الشيء في غير موضعه . فلو وضع في موضعه لم يكن شرا . فعلم أن جهة الشر فيه : نسبة إضافية . ولهذا كانت العقوبات الموضوعات في محالها خيرا في نفسها . وإن كانت شرا بالنسبة إلى المحل الذي حلت به ، لما أحدثت فيه من الألم الذي كانت الطبيعة قابلة لضده من اللذة ، مستعدة له . فصار ذلك الألم شرا بالنسبة إليها . وهو خير بالنسبة إلى الفاعل ، حيث وضعه موضعه . فإنه سبحانه لا يخلق شرا محضا من جميع الوجوه والاعتبارات . فإن حكمته تأبى ذلك . بل قد يكون ذلك المخلوق شرا ومفسدة ببعض الاعتبارات ، وفي خلقه مصالح وحكم باعتبارات أخر ، أرجح من اعتبارات مفاسده . بل الواقع منحصر في ذلك . فلا يمكن في جناب الحق - جل جلاله - أن يريد شيئا يكون فسادا من كل وجه بكل اعتبار . لا مصلحة في خلقه بوجه ما . هذا من أبين المحال . فإنه سبحانه بيده الخير ، والشر ليس إليه . بل كل ما إليه فخير . والشر إنما حصل لعدم هذه الإضافة والنسبة إليه . فلو كان إليه لم يكن شرا . فتأمله . فانقطاع نسبته إليه هو الذي صيره شرا . فإن قلت : لم تنقطع نسبته إليه خلقا ومشيئة ؟ قلت : هو من هذه الجهة ليس بشر . فإن وجوده هو المنسوب إليه . وهو من هذه الجهة ليس بشر . والشر الذي فيه : من عدم إمداده بالخير وأسبابه ، والعدم ليس بشيء ، حتى ينسب إلى من بيده الخير . فإن أردت مزيد إيضاح لذلك ، فاعلم أن أسباب الخير ثلاثة : الإيجاد ، والإعداد ، والإمداد . فهذه هي الخيرات وأسبابها .